ابنتها تمنعها من رؤية أحفادها.. دموع أرملة مغتربة

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : العائلة الكبيرة
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 85
  • رقم الاستشارة : 3212
07/11/2025

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا أُمٌّ عربية أعيش في أوروبا منذ سنوات طويلة. رزقني الله بثلاثة أبناء، وبزوجٍ صالح كتب باسمي كل ما نملك قبل وفاته: البيت، المطعم، والسيارة، وقال لي يومًا: "احتفظي بها باسمك، فقد يأتي وقت لا يتذكرنا فيه أحد".

بعد وفاته، عشت سنوات من الوحدة، وبدأت ألاحظ أن علاقتي بأبنائي تتغير، خاصة مع ابنتي الصغرى، التي كنت أحبها حبًا خاصًا، وساعدتها في دراستها وبناء حياتها. لكنها بعد زواجها بدأت تبتعد، ثم طلبت مني أن أترك البيت بحجة أنني لم أعد أستطيع إدارة شؤوني، وأخذتني إلى مكان آخر، دون أن تعلم أن كل شيء ما زال باسمي. استعدت إدارة المطعم، وأعدت ترتيب حياتي، وطلبت منها أن تغادر البيت، بعد أن شعرت أنها بدأت تتصرف وكأنها المالكة، وتُقرر دون الرجوع إليّ. لم يكن ذلك انتقامًا، بل حفاظًا على كرامتي وعلى ما تركه لي زوجي من إرثٍ معنوي قبل أن يكون ماديًّا.

لكن ما يؤلمني اليوم أكثر من أي شيء، هو أنها حرمتني من رؤية أحفادي. لم تعد تسمح لهم بزيارتي، ولا تسمح لي برؤيتهم، رغم أنني لم أؤذِها، ولم أقطع صلتي بها. حفيدي كان يزورني، ثم انقطع، وقال لي ذات مرة إن والدته أخبرته أنني لا أرغب في رؤيتهم، وهذا لم يكن صحيحًا.

سؤالي لكم يا شيخنا الكريم: هل يجوز لها أن تمنعني من رؤية أحفادي؟ وهل من حقي أن أطلب رؤيتهم، ولو عبر وسطاء؟

وهل يجوز لي أن أُبعدها عن حياتي مؤقتًا لأجل كرامتي، دون أن أقطع صلة الرحم؟

وكيف أوازن بين حقي في الاحترام، وبين واجبي في الصبر والصفح، خاصة حين يكون الحرمان من الأحفاد هو الثمن؟

أرجو منكم التوجيه والنصح، وجزاكم الله خيرًا.

الإجابة 07/11/2025

مرحبًا بك أيتها الأم الفاضلة، وأشكرك على ثقتك بنا، لنكون ملجأً لك بعد الله –تعالى- لبث همومك وطلب النصح في هذا الظرف الدقيق. أسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يفرج كربك، ويشرح صدرك، وييسر أمرك، وأن يجمعك بأحفادك على خير، وأن يصلح ما بينك وبين ابنتك ويؤلف بين قلوبكم، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وبعد...

 

فلقد رفع الإسلام من شأن الأسرة وجعلها أساس المجتمع المتماسك، وأمر بصلة الأرحام وحذَّر أشد التحذير من قطعها. وإن ما تمرِّين به -لا شك- هو أمر مؤلم؛ خصوصًا عندما يأتي الجفاء من أقرب الناس، وهم الأبناء.

 

وصراع الحقوق والواجبات، وصيانة الكرامة مع الحفاظ على صلة الرحم، يحتاج إلى ميزان دقيق وحكمة وتأنٍّ في التعامل.

 

ولكن اسمحي لي سيدتي قبل أي شيء أن ألفت نظرك لأمرين قد تكوني غافلة عنهما:

 

أولهما: أن زوجك -رحمه الله- سجَّل كل أملاكه باسمك قبل وفاته، ولهذا التصرف وجهان تجب الإشارة إليهما بإنصاف:

 

أ. الوجه الشرعي والقانوني:

 

إذا كان تسجيل الأملاك لك قد تمَّ بصفة «هبة» أو «تمليك» كامل في حياة زوجك، مع حيازتك للأملاك وتصرفك فيها، فإن هذه الأملاك أصبحت ملكًا خالصًا لك، ولا تدخل ضمن الميراث؛ لأن تصرف الأب في ماله حال صحته ورشده جائزٌ شرعًا.

 

ب. الوجه الاجتماعي والأخلاقي:

 

لا أعلم تفاصيل ودوافع الزوج -رحمه الله- لكتابة كل شيء باسمك وحرمان أولاده (إذا كان هذا بقصد حرمانهم لا مجرد إكرام الزوجة). ربما أراد حمايتك في الغربة أو كان لديه ما يخشاه. لكن كان الأفضل أن يترك الأمر للتقسيم الشرعي للميراث؛ حيث يضمن كل ذي حق منكم حقه، أنت والأبناء والبنات. فإن ترك الأمر للتقسيم الشرعي هو ما يحفظ القلوب، ويمنع الشقاق، ويُبقي على الودِّ بين الورثة، ويطفئ نار الضغينة ويمنع النزاع. ولكن بما أن الأمر قد تمَّ، فالملك اليوم هو لك، وتصرفك في ملكك الخاص لا غبار عليه، ولكن حبذا لو أعدت النظر في الأمر، وأعدت تقسيم الميراث بينكم وفق الشريعة، وليأخذ حقه من يأخذ، وليسامح فيه من يسامح.

 

ثانيهما: ربما يكون ذا صلة بما سبق، وهو ما حدث بينك وبين ابنتك، وأهمية مراجعة علاقتك بها، وهذا يحتم عليك وقفة صادقة مع النفس، فربما قد تكون الابنة شعرت بطريقة أو بأخرى بشيء من الظلم أو الانتقاص أو الإحراج، أو أن هناك أمرًا ما ضايقها دفعها لهذه التصرفات الجافة. إن النفس البشرية معقدة، وفي مراحل الحياة المختلفة قد تتغير الأولويات وتتأثر المشاعر بعوامل لا نراها.

 

فيا أختي الكريمة، راجعي نفسك وتصرفاتك: هل كنتِ تميزين بين الأبناء بشكل ملحوظ؟ هل كنت تنتقدين زوجها أو أسلوب حياتها؟ هل أظهرتِ لها إحساسًا بالمنَّة عليها بسبب المساعدة في دراستها؟

 

فإذا وجدتِ أي تقصير أو تصرف يمكن أن يكون قد ضايقها، فمحاولة علاجه أو حتى مجرد الاعتذار الودي عن أي سوء فهم قد يكون حدث (دون تبرير لتصرفاتها) يمكن أن يفتح بابًا للصلح قبل أي قرار آخر.

 

حكم منع الجدة من رؤية الأحفاد:

 

لا يجوز شرعًا منع الجدة من رؤية أحفادها، بل هو قطع لصلة الرحم التي أمر الله بها، وإثم عظيم. والأحفاد هم امتداد للأبناء، وزيارتهم لجدتهم وتواصلهم معها هو جزء أصيل من صلة الرحم التي جعلها الله قرينةً للإيمان. يقول النبي: «مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» [صحيح البخاري].

 

كما أن حرمان الأحفاد من حنان الجدة ورؤيتها هو ظلمٌ لهم، وتعويد لهم على الجفاء.

 

استعيني بوسطاء:

 

من حقك الشرعي والإنساني المطالبة برؤية أحفادك. فإذا تعذر التواصل المباشر، فلا بأس من اللجوء إلى وسطاء عقلاء وحكماء من العائلة أو ممن تثقين في دينهم وحكمتهم، لترتيب اللقاءات دون إحراج أو صدام مباشر. الهدف هو صلة الرحم لا إثبات الذات.

 

حقك في الاحترام وصيانة الكرامة:

 

من حقك الطبيعي والشرعي أن تُعامَلي بالاحترام اللائق، وأن تُصان كرامتك. فلا يجب عليك تحمل الإهانة أو التصرف وكأنك ضيفة في ملكك. فالكرامة ليست رفاهية، بل هي حاجة إنسانية. وفي التعامل مع الأبناء، لا يعني الإحسان إليهم أن تسمحي لهم بإهانتك أو سلبك حقك.

 

الهجر لغرض التأديب والإصلاح:

 

يجوز لك شرعًا هجر الابنة هجرًا مؤقتًا إذا كان ذلك بهدف تأديبها وردعها عن الإساءة والقطيعة، وكان الهجر يحقق المصلحة المرجوة، وهو عودة الابنة إلى صوابها. ولكن الهجر لا يعني قطع الصلة تمامًا؛ فيجب أن تبقى فسحة للسؤال غير المباشر أو السلام العابر، أو محاولة الوصل بالكلمة الطيبة بين حين وآخر.

 

ومهما كان ألمك من أفعالها، احذري من الدعاء عليها بالشر، فهي ابنتك، ودعاء الوالدين مستجاب. فادعي لها بالهداية وصلاح الحال.

 

إن تحقيق الموازنة بين حقك في الاحترام (الحزم) وواجبك في الصبر والصفح (اللين) هو ميزان الإيمان. فلا بأس من وضع حدود واضحة للاحترام المطلوب، وتجنب المواقف التي تُنتهك فيها كرامتك.

 

وختامًا أختي الفاضلة، استمري في الدعاء لأبنائك ولأحفادك بالهداية والصلاح، وأكثري من الاستغفار والصدقة بنية صلاح العائلة. تذكري أن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فكوني أنتِ الطرف الأقوى بالإحسان والصبر، وفوِّضي أمرك لله.

 

جعل الله لك من كل هَم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، وجمعك بأحفادك في أقرب وقت.

 

روابط ذات صلة:

زوجة ابني تُنّفر حفيدتي مني.. هل من سبيل إلى قلبها؟!

أغار من تعلق طفلي بجدته!!

الرابط المختصر :